اخبار

[اخبار][slideshow]
يتم التشغيل بواسطة Blogger.

البطل الكردي السلطان يوسف (صلاح الدين الايوبي)


البطل الكردي السلطان يوسف (صلاح الدين الايوبي) 532-589 هـ / 1138–1193 م .
..............................................................
هو يوسف بن أيوب بن شادي بن مروان (532 - 589 هـ / 1138 - 1193 م)، المشهور بلقب صلاح الدين الأيوبي قائد عسكري كردي شجاع أسس الدولة الأيوبية التي كانت تضم أراضي كردستان والشام ومصر والحجاز وتهامة واليمن، بعد أن قضى على الدولة الفاطمية في مصر التي استمرت 262 سنة. قاد الكردي صلاح الدين عدّة حملات ومعارك ضد الفرنجة وغيرهم من الصليبيين الأوروبيين في سبيل استعادة الأراضي المقدسة عند المسلمين واليهود التي كان الصليبيون قد استولوا عليها في أواخر القرن الحادي عشر، وقد تمكن في نهاية المطاف من استعادة معظم أراضي فلسطين ولبنان بما فيها مدينة القدس(أورشليم) ، بعد أن هزم جيش بيت المقدس الصليبي هزيمة منكرة في معركة حطين.
كان يوسف بن أيوب(صلاح الدين) كرديا مسلمًا متصوفًا اتبع المذهب السني والطريقة القادرية، وبعض العلماء المسلمين كالمقريزي، وقد قال عنه بعض المؤرخين المتأخرين: إنه كان أشعريًا، وإنه كان يصحب علماء الصوفية الأشاعرة لأخذ الرأي والمشورة، وأظهر العقيدة الأشعرية. أشتهر صلاح الدين بتسامحه ومعاملته الإنسانية لأعدائه، لذا فهو من أكثر الأشخاص تقديرًا واحترامًا في العالمين الشرقي الإسلامي والأوروبي المسيحي، حيث كتب المؤرخون الصليبيون عن بسالة هذا القائد الكردي المسلم في عدد من المواقف، أبرزها عند حصاره لقلعة الكرك في مؤاب، وكنتيجة لهذا حظي صلاح الدين باحترام خصومه لا سيما ملك إنكلترا ريتشارد الأول "قلب الأسد"، وبدلاً من أن يتحول لشخص مكروه في أوروبا الغربية، استحال هذا القائد الكردي رمزًا من رموز الفروسية والشجاعة عالميا وصار فخرا للمسلمين عامة وللكرد خاصة وعنوانا للشخصية الكردية ، وورد ذكره في عدد من القصص والأشعار الإنگليزية والفرنسية العائدة لتلك الحقبة .
ولد يوسف بن أيوب (صلاح الدين) في ديزه بريه=قلعة تكريت الواقعة شمال مدينة بغداد عام 532 هـ/1138م في ليلة مغادرة والده أيوب(نجم الدين) قلعة تكريت حينما كان واليًا عليها،وكان نجم الدين والد صلاح الدين قد انتقل إلى بعلبك حيث أصبح واليًا عليها مدة سبع سنوات وانتقل إلى دمشق، وقضى صلاح الدين طفولته في دمشق حيث أمضى فترة شبابه في بلاط الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي أمير دمشق. إن المصادر حول حياة السلطان يوسف (صلاح الدين) خلال هذه الفترة قليلة ومبعثرة .

بروز القائد الكردي يوسف بن أيوب الملقب ب(صلاح الدين الأيوبي) كَوَارِثٍ طبيعيٍّ، لنور الدين محمود الزنكي :
--------------------------------------------------
بعد وفاة نور الدين محمود في عام (569هـ = 1174م) خلفه ابنه الملك الصالح إسماعيل الذي لم يكن على مستوى الأحداث بفعل صغر سنه, وافتقاره إلى الخبرة والتجربة.

وبرز من جهة أخرى القائد الكردي يوسف بن أيوب الملقب ب(صلاح الدين الأيوبي) كَوَارِثٍ طبيعيٍّ، استطاع أن يملأ الفراغ القيادي الذي ظهر بعد وفاة نور الدين محمود, وبوفاة الملك الصالح إسماعيل عام (577هـ= 1181م) زال هذا القسم من الدولة الزنكية, ودخل في حُكْمِ صلاح الدين بعد صراع دامٍ مع دولة الموصل.

السلطان يوسف بن أيوب (صلاح الدين) أصله ونسبه :
---------------------------------------------------------------
أمّا عن أصول صلاح الدين الأيوبي، فإنَّ الأيوبيين ينتسبون إلى أيوب بن شادي من بلدة (دوين)[1] الواقعة عند آخر حدود كردستان مع كل من أذربيجان وأرمينيا وجورجيا , وجميع أهل ذلك البلد من الأكراد.

غير أن بعض الأمراء الأيوبيين حاول أن يبتعد عن الأصل الكردي, وأن يلتصق بنسل بني أمية العربي , وقالوا: "إنما نحن عرب؛ نزلنا عند الأكراد, وتزوجنا منهم"[2].
لكن السلطان الكردي صلاح الدين أنكر هذا النسب العربي, وقال: "ليس لهذا الأصل أصلٌ"[3] ادعاء.. ولم يكن العادل الأيوبي أقل إنكارًا من أخيه صلاح الدين لهذا الأمر.حيث أكد هو ألاخر نقاء دمهم الكردي .فالملك المعز إسماعيل الأيوبي صاحب اليمن أرجع نسب بني أيوب إلى بني أمية وحين بلغ ذلك الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب(اخو صلاح الدين يوسف) قال: "كذب إسماعيل ما نحن من بني أمية أصلاً". وقول السلطان صلاح الدين في الجامع الأموي - وجاء ذلك بعد تحرير القدس - قال أحدهم في الجامع الأموي الحمد لله الذي نصر الإسلام بسيف الأكراد فنهره صلاح الدين وقال : بل قل الحمد لله الذي نصر المسلمين بسيف الأسلام - (لم أثبت الشاهد من المراجع وربما أكون قد أخذته سماعاً - قول السلطان خليل الأيوبي(804-856هجري/1401-1452ميلادي)) .

ثم انتقلت الأسرة الايوبية من (دوين) في بداية القرن السادس الهجري= الثاني عشر الميلادي, حين غادر ألامير شادي (جد صلاح الدين) مع ابنيه: أيوب(نجم الدين) وشيركوه(أسد الدين) المنطقة إلى -ديزه بريه= تكريت ؛ حيث عينه مجاهد الدين بَهْرُوز حاكمًا عليها؛ نظرًا لصلات الصداقة التي تربطهما حيث ان مجاهد الدين بَهْرُوز هو ايضا من بلدة دوين ومن أصل كردي , ولمَّا تُوُفِّيَ ألامير شادي خلفه ابنه نجم الدين أيوب(والد صلاح الدين)[4].

أسد الدين شيركوه :
-------------------------
لكن أوضاع الأسرة اضطربت بعد ذلك بسبب مساعدة نجم الدين أيوب لعماد الدين زنكي بعد هزيمته عام (526هـ= 1131م) أمام قوات الخليفة العباسي المسترشد بالله (512- 529هـ = 1118- 1135م), وترتب على هذه المساعدة آثار بالغة الأهمية على مستقبل الأسرة؛ لأنها أغضبت بَهْرُوزَ الذي عَدَّ مساعدة أيوب لزنكي خروجًا على السلطة العباسية .

وحدثت في الوقت نفسه حادثة أدت إلى زيادة مخاوف بهروز وقلقه من تعاظم نفوذ الأسرة الايوبية ؛ ذلك أن أسد الدين شيركوه(عم صلاح الدين) قتل أحد مماليك بهروز دون مبرر مقنع، فأخرجهما هذا الأخير من قلعة تكريت, فتوجها الاخوين شيركوه وأيوب(والد يوسف صلاح الدين) إلى بلاد عماد الدين زنكي, وانخرطا منذ ذلك الوقت في سلك جنده, وبعد أن قُتِلَ عماد الدين زنكي في عام (541هـ= 1146م) اجتمع الأخوان (شيركوه وأيوب) في خدمة نور الدين محمود وارتفع شأنهما عنده, واختار نور الدين محمود أسد الدين شيركوه؛ ليقود قواته إلى مصر للاستيلاء عليها وضمها إلى بلاد الشام, وقد صحبه ابن أخيه يوسف بن أيوب(صلاح الدين) في جميع حملاته[5].

وعندما نجح في مهمته, تولى منصب الوزارة في مصر في ظل الحكم الفاطمي المتداعي, وعندما توفي شيركوه في (22 من جُمَادَى الآخرة عام 564هـ= 23 من آذار عام 1169م) خلفه ابن أخيه يوسف صلاح الدين في المنصب[6].

صلاح الدين يتولى وزارة مصر :
-----------------------------------
أيقظت خلافة أسد الدين شيركوه في منصبه الكثير من الطموحات بين الفرقاء؛ إذ حدثت إثر وفاته خلافات وتنافسات على منصب الوزارة بين عدة فئات منها : المؤسسة العسكرية الفاطمية, وبعض أمراء نور الدين محمود الأتراك الذين رافقوا الحملة، بينما ظل الكردي يوسف بن أيوب(صلاح الدين) في الظل صامتًا, ولكن الفقيه - عيسى هكاري - وهو كردي. سانده مُقتَرِحًا ترشيحه لهذا المنصب؛ فقرر الخليفة (العاضد) اختيار يوسف بن ايوب(صلاح الدين) لاعتلاء منصب الوزارة خَلَفًا لعمه شيركوه(أسد الدين) ؛ لاعتقاده أن صِغَر سنِّ صلاح الدين وافتقاره للتجربة سوف يرغمانه على الاعتماد على موظفي الدولة الفاطمية, وتجعله أداة سهلة في يد الخليفة، يستغلها في القضاء على بقية أعوان أسد الدين شيركوه, وكان عمر صلاح الدين آنذاك اثنتين وثلاثين سنة, ولقَّبَه بالملك الناصر وذلك في (25 من جمادى الآخرة عام 564هـ=26 من آذار عام 1169م)[7] آلت الوزارة إليه؛ لأنه أصبح وزيرًا للخليفة الفاطمي الشيعي, ونائبًا عن نور الدين محمود صاحب دمشق السُّنِّي في ذات الوقت؛ فاضطر إلى الدعاء لهما معًا في الخطبة, ثم أخذ صلاح الدين يقوي مركزه في مصر, ويعمل على اكتساب محبة أهلها؛ ليشتدَّ بهم أزرُه ويستقلَّ بهذه البلاد..

وقد رأى صلاح الدين أن مركزه قد أصبح شديد الحرج, فبعد أن تولى صلاح الدين منصب الوزارة في مصر استطاع أن يُحكِمَ قبضته على مُقدَّرَات الدولة الفاطمية , وقد أدى ذلك إلى تهميش دور الخليفة الفاطمي ؛ مما أثار حفيظة عدد من صنائع العبيديين الذين قاموا بالعديد من الثورات والمؤامرات؛ لأجل إعادة الحكم لسادتهم، وقد استعانوا في مؤامراتهم تلك بالصليبيين أعداء المسلمين ، وكذلك بفرقة الإسماعيلية الباطنية الشيعية المعروفة بالحشيشية، ولكنَّ صلاح الدين تمكن من القضاء على تلك المؤامرات[8].

تراوحت العلاقة الأيوبية مع الخلافة العباسية في عهد صلاح الدين بين الحِيدَة والفتور, فقد عاش صلاح الدين في كَنَفِ الزنكيين الذين ربطتهم بالخلافة العباسية علاقات جيدة بشكل عام؛ فكان نور الدين محمود يحترم الخليفة العباسي المستضيء بأمر الله تدينًا بناءً على عقيدته السُّنِّيَّة, وحرص على كسب رضاه, وكذلك بادله الخليفة هذا الاحترام, فكان يحث أمراء الأطراف على مساندته في حربه ضد الصليبيين, كما أرسل إليه الخلع والتشريفات.

فكان طبيعيًّا أن ينهج صلاح الدين نهج نور الدين محمود, وأن يستفيد من سياسته تجاه الخلافة العباسية, فابتدأت علاقته الجيدة منذ عام (567هـ= 1171م). وفي الوقت الذي كان فيه وزيرًا للخليفة الفاطمي (العاضد), فقد طلب منه الخليفة العباسي آنذاك أن يقطع الخطبة للفاطميين, ويدعو للعباسيين على منابر مصر، ففعل ذلك احترامًا منه لمقام الخلافة التي يدين لها بالطاعة والولاء.

وبعد وفاة نور الدين محمود, اضطربت الأوضاع في بلاد الشام بفعل الخلافات بين الأمراء؛ فاستغل الصليبيون ذلك, وهاجموا الأراضي الإسلامية؛ مما استدعى تدخل صلاح الدين, وحتى يعطي تدخله مبررًا شرعيًّا, ويحافظ على ما سوف يحققه من إنجازات, كتب إلى الخليفة العباسي, يصور له أوضاع بلاد الشام السياسية المضطربة, وتَوَثُّبَ الصليبيين عندما هاجموا الإسكندرية, وأوضح له سبب ضم اليمن, بأنه لضرب المهدي المبتدع, وأعقب كل ذلك برجائه من الخليفة أن يُنْعِمَ عليه بتقليد جامع لمصر والمغرب واليمن والشام, وكل ما تشتمل عليه ولاية نور الدين محمود, وكل ما يفتحه اللهُ للدولة على يديه؛ فاستجاب الخليفة لمطالبه.

وعلى الرغم مما توافر له من القوة التي فاقت قوة نور الدين محمود، كان صلاح الدين بحاجة إلى مساندة الخلافة في صراعه مع الأمراء المسلمين المناوئين, وبخاصة الزنكيين؛ لذلك كان يُطْلِعَ الخلافة على تحركاته ومنجزاته ليكسب تأييدها, وحتى لا يُتَّهَم بأنه يقاتل من أجل مطامع شخصية؛ فيخسر مساندة الخلافة له, ولكي لا يُتَّهَمَ بقتال المسلمين, وترك قتال الصليبيين.

ولكن في عهد الخليفة أبي العباس أحمد بن المستضيء شعر هذا بالقلق من تحركات صلاح الدين، وخشي أن يمتد نفوذه حتى عاصمة الخلافة العباسية بغداد ؛ لذا اكتفى بتأييده ظاهريًّا، وبمساعدات قليلة حتى لا يزيده قوة[9].

عندما استقر صلاح الدين في منصب الوزارة في مصر أعد نفسه لإحداث تغيير جذري وشامل داخل مصر في كافة المجالات, وكانت مهمته هي التصدي للمشكلات التي أثارها مركزه، فرغم أن التناقض الظاهر من وجود وزير سني لدى خليفة فاطمي لم يكن بالوضع الجديد؛ لأنه طيلة قرن تقريبًا كان هناك وزراء سنيون على مراحل متقطعة في مصر, لكن حركة الجهاد الإسلامي التي قادها نور الدين محمود تحت راية دولة الخلافة العباسية, بالإضافة إلى قيام وحدة فَعَّالة بين بلاد الشام ومصر تقف في وجه الصليبيين، حَتَّمت على نور الدين محمود وبالتالي صلاح الدين الالتزام بإعادة مصر إلى حظيرة الولاء للعباسيين, ولكن الضرورة دعته إلى تمهيد السبيل أمام التغيير رغم إلحاح نور الدين محمود وعتاب الخليفة العباسي؛ لأنه أدرك أن التغيير السريع لا بد أن يولد ردَّ فعلٍ فوري معاكس لا يمكن تدارك نتائجه[10].

وضَمِنَت الخطوات التمهيدية العسكرية والاقتصادية والدينية التي نفذها إحكام قبضته على البلاد. ومع نهاية عام 566هـ= 1171م وضحت أهداف صلاح الدين بحكم عقيدته السنية في إسقاط الدولة الفاطمية الشيعية في مصر, وإقامة الخطبة للعباسيين.

أهداف صلاح الدين الإصلاحية :
-------------------------------------
لم تكد تمضي أيامٌ على قطع الخطبة للفاطميين حتى توفي العاضد آخر الحكام الفاطميين, ليلة (العاشر من المحرم = 13 من أيلول)؛ فأمر صلاح الدين بإرسال الكتب إلى البلاد بوفاته, وإقامة الخطبة رسميًّا للخليفة العباسي المستضيء بأمر الله, وبذلك يكون صلاح الدين قد وضع نهاية للدولة الفاطمية الشيعية في مصر، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخها عادت فيها تلك البلاد إلى العالم السُّني؛ لتؤدي مصر تحت قيادة الكرد الأيوبيين دورًا مهمًّا في توحيد الجبهة الإسلامية ومواجهة الصليبيين، كما قام صلاح الدين بجهود كبيرة في إصلاح الأحوال الاجتماعية في مصر؛ فاهتم ببناء المنشآت كالمستشفيات، وإصلاح المرافق والطرق، والإنفاق على المرضى والمحتاجين، كما عمل على توفير الحماية لمصر من خلال بناء قلعة صلاح الدين في القاهرة ، لصد الهجمات الآتية من قِبَل الصحراء.

ورغم ذلك رأى صلاح الدين أنه بحاجة إلى عمل خارجي لتحقيق ثلاثة أهداف:

الأول: توسيع رقعة الدولة الايوبية الكردية الإسلامية.

الثاني: تحصين إنجازاته التي حققها في مصر.

الثالث: تأمين حدود بلاده حتى لا يؤخذ على غِرَّة.

وأسفرت جهوده عن ضم المغرب الأدنى وبلاد النوبة واليمن[11].

أمَّا في الشام فقد أثارت وفاة نور الدين محمود مشكلة تقسيم دولته الواسعة بين ورثته؛ مما هدد الوحدة الإسلامية، وكادت هذه المشكلة أن تعود بالمسلمين إلى حالة التمزق والانقسام التي كانوا عليها قبل أن يبدأ عماد الدين زنكي جهوده لوضع قاعدة صلبة لتوحيد الجبهة الإسلامية والتصدي للصليبيين، ولم يكن بين رجال الأسرة الزنكية من يصلح أن يكون خلفًا لنور الدين محمود الذي لم يترك سوى ابنٍ طفلٍ في الحادية عشرة من عمره اسمه إسماعيل, وابنة صغيرة, وزوجة هي عصمة الدين خاتون.

اتفق الأمراء في دمشق بعد مناقشات مستفيضة على تنصيب الصالح إسماعيل ملكًا خَلَفًَا لوالده, وعيَّنوا شمس الدين محمد بن عبد الملك, المعروف بابن المقدم قائدًا للجيش, وأتابكًا له, وكتبوا إلى ولاة الأطراف بإقامة الخُطبة باسمه, وبخاصة صلاح الدين في مصر.

صلاح الدين يضم الشام لملكه :
--------------------------------------
وقد جاءت وفاة نور الدين محمود (عام 569هـ= 1174م) لتزيل الصعوبات الناجمة عن كون صلاح الدين نائبًا للأمير الزنكي في دمشق وحاكمًا فعليًّا لمصر, كما أنها في الحقيقة أعطت صلاح الدين مبررات مقنعة للدخول في مجال السياسة في بلاد الشام؛ حيث إن الصالح إسماعيل كان قاصرًا؛ لذلك قدم نفسه بوصفه النائب القوي الذي يمكن للصالح إسماعيل الاعتماد عليه.

والواقع أن صلاح الدين تَطَلَّعَ إلى ضم بلاد الشام إلى مصر بعد وفاة نور الدين محمود, بهدف استمرار السياسة التي بدأها عماد الدين زنكي, وجرى عليها ابنُه نور الدين محمود, والتي تقضي بتوحيد كلمة المسلمين, والقضاء على الصليبيين.

وهكذا ضمَّ صلاح الدين دمشق وقلعتها؛ من أجل حماية الصالح إسماعيل من خطر الصليبيين, والأمراء الطامعين[12].

الاستعداد لمواجهة الصليبين :
------------------------------------
ثم أخذ السلطان الكردي يوسف بن أيوب (صلاح الدين) ينفذ سياسته, في إعادة بناء الجبهة الإسلامية المتحدة بحيث تمتد من كردستان إلى بلاد الشام فمصر؛ ليتمكن -بعد ذلك- من البدء في حركة الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين, والمسلمون أشد ما يكونون قوةً وتماسكًا, ثم تابع تقدمه باتجاه الشمال؛ وجرت مفاوضات مع أمراء الزنكيين أسفرت عن أن يكون لصلاح الدين ما بيده من بلاد الشام, وللحلفاء الزنكيين ما بأيديهم, وأن تُضافَ إلى أملاكه بعض الأراضي الواقعة شمالي (حَمَاة) مثل: المَعَرَّة, وكفرطاب, وبعد توقيع الاتفاق رحل السلطان يوسف صلاح الدين عن حلب.

قام السلطان صلاح الدين بعد ذلك بضم حلب وآمد(دياربكر) وسنجار(شنكال) وغيرها من المدن والحصون؛ في سبيله لإتمام الوحدة التي يستطيع بها مواجهة الصليبيين، وتحرير القدس(اورشليم) من الصليبيين .

في ذات الوقت كانت هناك محاولتان للتخلص من صلاح الدين قام بها طائفة الحشيشية بالتعاون مع الصليبيين؛ رغبةً من الحشيشية في الانتقام منه لإسقاطه الدولة العبيدية التي يدينون بدينها، وخوفًا –في نفس الوقت- من الصليبيين من أن يُتم صلاح الدين وحدة مصر والشام، ثم يفرغ لمواجهتهم[13].

العلاقة مع الصليبيين :
---------------------------
لقد مَرَّتِ العلاقات الأيوبية – الصليبية في عهد السلطان يوسف صلاح الدين بمرحلتين كبيرتين, امتدت المرحلة الأولى من عام (570هـ= 1174م) إلى عام (582هـ= 1186م). وفي هذه المرحلة لم يكن السلطان يوسف متفرغًا لجهاد الصليبيين؛ إذ ليس من المعقول أن يوجه اهتمامه الكامل للجهاد ضدهم، وخلفه مجموعة من الأمراء المسلمين الذين يُشَكِّلُون تهديدًا محتملاً في الشمال والشرق؛ لذلك وَجَّهَ اهتمامه وجهوده نحو توحيد الجبهة الإسلامية.

وقد تخلل هذه المرحلة عقد المعاهدات, مثل المعاهدة التي عقدها مع الملك بلدوين الرابع في عام (576 هـ=1180م), والمعاهدة مع ريموند الثالث صاحب طرابلس في عام (581 هـ= 1185م). وتُعَدُّ هذه المعاهدات من العوامل التي ساعدته على بَثِّ التفرقة بين صفوف الصليبيين, وإضعاف قوتهم.

وامتدت المرحلة الثانية من عام (582هـ= 1186م) إلى عام ( 588هـ= 1192م)، وكان صلاح الدين قد فَرَغَ من توحيد الجبهة الإسلامية؛ فانصرف بكل طاقاته إلى الجهاد, وحقَّقَ الانتصارات الضخمة التي خَلَّدَت ذِكرَه في التاريخ[14] ومن هذه الانتصارات الانتصار العظيم في حطين عام (583هـ= 1187م)..

كان من الأفضل للصليبيين -وقد كانوا في حالة صراعٍ داخليٍّ- أن يلتزموا بشروط الهدنة التي عقدوها مع المسلمين, وهي الهدنة التي ضمنت حماية القوافل التجارية بالتنقل بِحُرِّية وأمنٍ ما بين القاهرة ودمشق[15].

ولكن الأحداث كانت تجري بسرعة في مصلحة صلاح الدين, وهو يستغلها؛ إذ إن تحالفه مع (ريموند الثالث) أثار غضب (رينولد شاتيون) الذي كان في هدنة مع السلطان الكردي المسلم صلاح الدين، فقام بنقض الهدنة في (عام 582هـ= أواخر عام 1186م), حين أوقف قافلة تجارية كبيرة مَارَّةً بأرض الكرك, في طريقها من مصر إلى بلاد الشام, واستولى عليها؛ فقتل حراسها, وأسر بعض الجند, كما قبض على من في القافلة من تجار وعائلات, وحملهم إلى حصن الكرك.

خيانة العهد كانت البداية :
------------------------------
لم تلبث أنباء الاعتداء أن وصلت إلى مسامع السلطان يوسف صلاح الدين, ولحرصه على احترام المعاهدة, أرسل إلى رينولد شاتيون ينكر عليه هذا العمل, ويتهدده إن لم يطلق سراح الأسرى ويعيد الأموال, غير أن صاحب الكرك رفض استقبال رسله.

وعندما وجد صلاح الدين إعراضًا من جانب رينولد أرسل إلى الملك جاي لوزينان شاكيًا, ومطالبًا بالنصح لرينولد بإعادة الأسرى والأموال؛ فلبَّى جاي دعوة صلاح الدين، ولكنه أخفق في الضغط على رينولد.

والواقع أن صلاح الدين لم يستطع أن يكظم غيظه أمام رفض رينولد وعَجْز جاي؛ فأقسم أن ينتقم من رينولد, بل إنه "نذر دمه, وأعطى اللهَ عهدًا إن ظفر به أن يستبيح مهجته"[16], وما حدث من نقض الهدنة على هذا الشكل جعل الحرب أمرًا لا مَفَرَّ منه.

لقد اختار الصليبيون صفورية قُرب عكا مكانًا لتجمعهم, وحملوا معهم صليب الصلبوت تَبَرُّكًا, وعندما علم السلطان صلاح الدين أن ريموند الثالث نقض الهدنة والاتفاقية المعقودة معه، غادر الأردن مسرعًا إلى أن وصل إلى عشترا في حوران؛ فاجتمع بابنه الأفضل, وشاهد جيوشه البالغة اثني عشر ألفًا من الفرسان، بالإضافة إلى المشاة والمتطوعة مجتمعةً؛ فعبَّأها لخوض المعركة, ثم توجه إلى طبرية يوم الجمعة (17 من ربيع الآخر عام 583هـ= 26 من حزيران عام 1187م), وكان يقصد بوقعاته أيام الجُمَع لا سيما أوقات الصلاة؛ تبركًا بدعاء الخطباء على المنابر؛ "فربما كانت أقرب إلى الإجابة"[17].

1- دوين: بلدة من نواحي أَرَّان قرب الحدود التي تفصل كردستان عن أذربيجان وجورجيا .

2- جمال الدين محمد بن واصل: مفرج الكروب في أخبار بني أيوب، ج1 ص5، 6.

3- ابن خلكان: ج1ص141.

4- ابن خلكان: ج1 ص139، 140.

5- د/ محمد سهيل طقوش: تاريخ الأيوبيين، ص19.

6- أبو شامة ج2 ص68، 71.

7- العماد الأصفهاني ص81، والقلقشندي: صبح الأعشى في صناعة الإنشا، ج10 ص80،100.

8- طقوش: تاريخ الأيوبيين، ص42: 45.

9- طقوش: تاريخ الأيوبيين، ص84: 87.

10- د/ طقوش: تاريخ الأيوبيين, ص33, 34. وانظر أيضًا د/ طقوش: تاريخ الزنكيين, ص390.

11- د/ طقوش: تاريخ الأيوبيين, ص45, 46.

12- طقوش: تاريخ الأيوبيين ص56.

13- السابق ص58.

14- د/ طقوش: تاريخ الأيوبيين, ص115, 116.

15- بسام العسلي: فن الحرب الإسلامية, ج4, ص134.

16- أبو شامة، ج2 ص274. وابن واصل، ج2 ص185.

17- ابن شداد ص126، 127.MEDIA SHIYAR JEMO

لاتنسى اشتراك بالقناتنا على اليوتيوب